تجب مشاهدته

الألمان وحدهم يركزون اطمئنانهم على فكرة مجردة، على العلم، واعني بالمعرفة المزعومة بالحقيقة المطلقة. إن الفرنسي واثق من نفسه لأنه يتصور أنه يمارس، سواءً أكان بفكره أو بجسمه، فتنة لا تقاوم على النساء كما على الرجال. والإنجليزي يثق بنفسه لأنه يعتقد أنه مواطن في أفضل بلدان العالم مدنية: فهو بوصفه إنجليزياً يعرف دائمًا ما جيب أن يعمل وبوصفه إنجليزياً يعرف أن كل ما يعمله إنما هو خير ما يُعمل دون نقاش. والإيطالي يثق بنفسه لأن طبيعته الإهتزازية تجعله ينسى نفسه والآخرين معه. أما الروسي فإنه يثق بنفسه لأنه يعرف شيئًا ولا يريد أن يعرف شيئًا ولأنه يؤمن بأنه يمكن معرفة أي شيء كان. إن ادعاء الألماني أكثره عناداً وبشاعة لأنه يتصور أنه يعرف الحقيقة، وبعبارة أخرى العلم الذي صنعه هو نفسه والذي يعتبره بمثابة الحقيقة المطلقة.
- تولستوي
الحرب والسلم - تولستوي (Taken with instagram)

لم أجد أفضل من التحدث عن الكتب التي قرأتها خلال الفترة الماضية. فالانقطاع الطويل عن الكتابة في المدونة الذي امتد لمدة شهر تقريباً يجعل من الكتابة أمر صعب. وخصوصاً أنني من النوع الذي يأخذ الكتابة بشكل رياضي، فهي لدي تحتاج للياقة عالية وممارسة. فإن لم أكتب بشكل متتابع ومستمر خلال فترات قصيرة أفقد القدرة على الكتابة وأحيانًا حتى على التفكير.
بعيداً عن الكتابة قرأت الفترة الماضية نوعية جيدة جداً من الكتب ولله الحمد. وأهمها كان “اشكاليات الفكر العربي المعاصر” للجابري. وهي القراءة الأولى لي للجابري رحمه الله. والكتاب يتحدث بشكل واضح عن العقلية العربية، العجيب في الأمر والمحزن في ذات الوقت هو أن الجابري يناقش في محاضراته، فالكتاب سلسلة محاضرات ألقاها في مدن عربية متفرقة في الثمانينات، مشاكل نعاني منها إلى اليوم بل وتطرح وبشدة إلى الآن سواء مشاكل تتعلق بالفرد العربي أو حتى بالمجتمع العربي ككل. والغريب أنك تجد مثل الجابري الذي يتحدث عن هذه المشاكل ويطرح حلول أو على الأقل يضع يده على مكان الخلل منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولا تجد إلى يومنا هذا إصلاح حقيقي لأي مشكلة. طرح الجابري في كتابه عن مشكلة التعليم ونسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وطرح مشكلة الوحدة العربية وتنوع المصادر التي تمتلكها البلدان العربية وأنها يجب أن تستثمر بشكل جيد وأن يتم تبادل مثل هذه المصادر في العالم العربي، وطرح أيضاً مشكلة المثقف العربي، ومشكلة العالم العربي مع أوروبا والتقنية. كل هذه المشاكل وأكثر إلى الآن نعاني منها وهذا يطرح علينا سؤال محزن: هل هناك فائدة في البحث عن المشكلة في العالم العربي؟ فإن كان الجابري قد تحدث عن كل هذه المشاكل ولم يجد من يعيره الانتباه الا بمحاضرات يلقيها وكتب ينشرها، رغم أنه أستاذ جامعي وله مكانته العالية في العالم العربي، إلا أنك لا تجد من يأخذ هذه المشاكل بجدية وكأن مثل هذا الكتاب مجرد حبر على ورق وليرمى بعيدا بدون قراءة أو حتى بدون تسليط ضوء عليه. ولقد تفاجئت من قلة القراءة لهذا الكتاب، وقلة الكتابة عنه. الكتاب قيم جداً بسبب نظرة الجابري الذي عرف الخلل في الفكر العربي تماماً وأكبر دليل على هذا بأن الكتاب يصلح لزماننا هذا بل هو الأفضل حتى من الكتب الحديثة التي قرأتها والتي تتكلم عن ذات الموضوع.
الكتاب الثاني هو كتاب جورج أوريل ١٩٨٤، كان هذا الكتاب يتواجد لدي في الرف منذ فترة طويلة نوعاً ما، والسبب في تأخري لقراءة الكتاب هو شهرة الكتاب نفسه. فلا أكاد أدخل التويتر أو تمبلر أو حتى اقرأ مقال إلا أجد اقتباسات من الكتاب واستشهادات منه. والشهرة الزائدة لكتاب ما تجعلني أتجنبه إلا في حالات قليلة. بعد ما انتهيت من كتاب الجابري و أخذت أتطلع إلى مكتبتي أردت عمل ليس كبيراً فأنا كنت قد توسطت في عمل تولستوي العظيم “الحرب والسلم” ومن حظي السيئ أن جميع الكتب التي كانت تزين مكتبتي ذات عدد صفحات كبيرة تزيد عن الخمسمئة صفحة. وكانت رواية جورج أوريل هي الوحيدة تقريباً ذات الحجم المعقول. فقلت في نفسي لعل قدر الكتاب هو اليوم. فبدأت اقرأ في الرواية، ومن أول صفحة للرواية تعرف أنك أمام عمل ليس سهلاً وأنت أمام عمل لا يسمى رواية فقط ولا يسمى كتاب فكري ولا هو كتاب “تنبؤي” ولا حتى واقعي. هو مزيج بين كل هذه التصنيفات وأكثر. وأنا اقرأ الرواية ظهرت شخصيات سياسية كثيرة في مخيلتي، وظهرت لي دول كأن جورج أوريل يقوم بالتحدث عنها، وظهرت لي أيضاً تصرفات مجتمعات كثيرة. :
“الولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير. الولاء هو عدم الوعي.”
“لقد كان يفتقر لخصال الحذر والتحفظ ويفتقر أيضاً إلى بعض الغباء الذي يحفظ حياة صاحبه”
“لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا”
“إن ما يميز حقاً الحياة العصرية لم يكن قسوتها أو انعدام الطمأنينة، وإنما هو العربي والانحطاط واللامبالاة.”
“فثمة صلة وثيقة ومباشرة بين إجبار المرء لنفسه على العفة وبين ولائه السياسي.”
“إنه لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة إلى الأبد إلا عبر التوفيق بين المتناقضات.”
مجرد قراءة هذه الاقتباسات التي تحمل أضعافها داخل الرواية تخبرك بأن أورويل يكتب التاريخ المستقبلي للبشرية، وأعتقد بأنه من الكتاب القلائل الذين كتبوا عن تاريخ العالم المستقبلي. فكما يذكر في الرواية عن التلقيح بالأنابيب وهذا الاختراع لم يحدث في عصره ها هو يحدث الآن وليت الأمر يتوقف عند التلقيح بل هو يمتد إلى المراقبة الدائمة والسيطرة الإعلامية وانعدام الحرية .. الخ. وأعتقد بأن رواية أوريل تقف مع صف المؤمنين بنظرية المؤامرة، وتضحك بشكل ساذج على منكرها. فمن يستطيع قلب عقلك وكشف ما يدور حولك بثلاثمئة صفحة وتستطيع أنت بأن تجد أمثلة مباشرة لما يتحدث عنه أورويل هو أمر أشبه بالخيال ولكنه حقيقي للأسف.
الكتاب الأخير كان كتاب لا بويسي “مقالة العبودية الطوعية” التي يتحدث فيها عن فكرة أن الشعوب هي السبب الرئيسي في أنها تعيش في ظل العبودية. لأنها بكل بساطة لا تدافع عنها. وقبل الحديث عن المقالة نفسها، كان الكتاب يتحدث عن أثر المقالة وتأثيرها في أوروبا، حيث “يبين بارير أن كل مقطع من بحث لا بويسي يشكل رداً على هذه الصفحة أو تلك من كتاب مكيافيللي ويقوم معها توازناً. وباختصار، ففي حين يضع الأمير نظامًا للاستبداد، تعلن المقالة المطالبة بالليبرالية.” والمقالة فعلاً تقف في صف الشعوب وتطالبهم بالدفاع عن حريتهم ولا يتحدث لا بويسي عن الطريقة التي كيف تدافع عنها الشعوب عن حريتها، بينما يتحدث عن العواقب فهو لا يعطي شكلاً واحد للدفاع عنها، ولكنه يستخف بمن لا يطالب بها أو يدافع عنها وخصوصاً في دولة تتبع لرجل واحد وأيًا كانت الطريقة التي أتى بها هذا الرجل والتي وضح بأن أسوئها هي الطريقة الملكية، ويقول عن المتساهل المتكاسل عن الدفاع عن حريته “أما وأنه لم ينعم بالحرية قط، فهو لا يشعر حتى بالأسف عليها. إنه الانحطاط، فالإنسان المستعبد لا تعودُ طبيعتهُ طبيعة إنسان.” ومن يقرأ تاريخ المقالة والحديث حولها وحتى المقالة نفسها يعلم تمامًا بأن التاريخ يعيد نفسه. فكيف أن مسألة العبودية التي نعاني منها اليوم في العالم العربي وتقلص الحريات هي نفسها وبنفس الأسلوب التي يعاني منها الأوروبيين في فرنسا وغيرها في القرن السادس عشر. انظر ماذا يقول لابويسي هنا:
“بين لا بويسي بمنتهى الوضوح أنها هي التي يستخدمها الطغاة أبداً في سبيل خداع الضمائر وإرهابها : فرض العزلة أو الصمت أو الرشوة أو فكرة مغلوطة عن الواجب الديني . . ومن تلك الأساليب كلها التي يعلمنا التاريخ، وهو يؤكد على أقوال لابويسي، أنها هي حقاً أسلحة الطغيان، تظل تلك المتعلقة بالدين أكثرها خطورة.”
ماذا يعني هذا الاقتباس؟ الجواب لك صديقي القارئ
(Source: beyondsomeveil, via aso-oma)
(via A Lover’s Discourse)
(Source: analogdialog, via teachingliteracy)